كيف نصمّم مشاريع ذات أثر اجتماعي إيجابي ونقيس أثرها

المحاضر: المهندس توفيق النحلاوي

حول المحاضر: خبير بيانات و تصميم المشاريع الاجتماعية.

0.1 min readPublished On: September 27th, 2026

اختصاص: ريادة أعمال.

مستوى: متوسط.

مدة الورشة الكلية: ساعتين تقريباً

Expected_time

حول الورشة / أقسام محتوى الورشة/ ماذا ستتعلم في هذه الورشة

ركّزت الورشة على مجموعة من المحاور العملية والتطبيقية، بدءًا من منهجية متكاملة لبناء المشروع الاجتماعي، شملت أساسياته وأدواته ومكوّناته ومخرجاته، مرورًا بمفهوم التمويل المختلط (Blended Finance)، وصولًا إلى منهجيات قياس الأثر الاجتماعي وتقييم الأداء والنتائج. كما تخلّلت الورشة مجموعة من النصائح والتوجيهات العملية التي يمكن أن تساعد روّاد الأعمال خلال مختلف مراحل رحلتهم الريادية، من بلورة الفكرة وتصميم المشروع، إلى تأمين التمويل وتحقيق الأثر المستدام.

لا تُقاس ريادة الأعمال الناجحة بحجم الأرباح والإيرادات التي يحققها المنتج التجاري فحسب، بل بقدرتها على إحداث أثر حقيقي ومستدام في حياة النَّاس أيضًا؛ إذ يركّز المشروع التقليدي غالبًا على تلبية طلب السوق وتحقيق العائد المالي، في حين يتجاوز رائد الأعمال الاجتماعي هذا الهدف ليبحث عن مشكلة مجتمعية قائمة، ويعمل على تحويلها إلى فرصة للابتكار، وصناعة الحلول.

وتحتاج سوريا اليوم إلى جيل من روّاد الأعمال الاجتماعيين القادرين على تقديم أفكار بنّاءة تستجيب للتحديات المحلية، وتساعد الفئات الأكثر احتياجًا، وتسهم في معالجة مشكلات ما تزال تؤثر في المجتمع.

وقد أثبتت تجارب عالميّة عدة قدرة الابتكار الاجتماعي على إحداث تحولات ملموسة في المجتمعات محدودة الدخل، فعلى سبيل المثال، تبنّت شركة TOMS نموذجًا يقوم على التبرع بحذاء لطفل محتاج مقابل كل زوج يُباع، في محاولة لربط النشاط التجاري بهدف اجتماعي، كما عملت مبادرة Teach For America على استقطاب الخريجين المؤهلين وربطهم بالمدارس التي تعاني نقصًا في الكوادر التَّعليميّة، وفي مجال التمويل، أسهم نموذج Microfinance في إتاحة قروض صغيرة وميسّرة للأفراد الذين لا يستطيعون الوصول إلى الخدمات المصرفية التَّقليديّة، بما يساعدهم على إنشاء مشاريع صغيرة، وتحسين قدرتهم الاقتصاديّة.

1. ركائز الابتكار الاجتماعي

يمكن النظر إلى رائد الأعمال الاجتماعي بوصفه شخصًا قادرًا على الجمع بين ثلاثة مكونات رئيسية: حاجات المجتمع المحلي، وقيم رائد الأعمال وقيم المجتمع، ومهاراته وقدراته الشخصية والمهنية. فعندما تتقاطع هذه المكونات، تنشأ فرصة حقيقية لابتكار اجتماعي قادر على معالجة مشكلة واقعية بطريقة قابلة للتنفيذ والاستمرار.

ويشير هذا التصور إلى أن الابتكار الاجتماعي لا يولد من فكرة تقنية معزولة، بل من فهم عميق للسياق الذي ستُطبَّق فيه؛ لذلك ينبغي لرائد الأعمال أن يمتلك رؤية شمولية توازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للمشروع؛ فنجاح الحل لا يعتمد على أثره الاجتماعي وحده، وإنما على قدرته على الاستمرار ماليًا، وعدم إحداث أضرار بيئية أو آثار جانبية غير مقصودة.

ومن الأمثلة على ذلك تصميم حاضنة أطفال منخفضة التّكلفة تعمل بالطاقة الشمسية للمناطق النائية التي تعاني ضعف الوصول إلى الكهرباء والمرافق الصحية. يجمع هذا الحل بين الحاجة الاجتماعية، والإمكانات التقنية، والاستدامة الاقتصادية والبيئية، ليقدِّم نموذجًا واضحًا لكيفية تحويل مشكلة محلية إلى ابتكار ذي أثر قابل للتوسع.

2. رحلة الابتكار الاجتماعي

تمرُّ عملية تطوير الابتكار الاجتماعي بثلاث مراحل رئيسية: التحديد، والتصميم، والتجربة. ولا تمثل هذه المراحل خطوات جامدة بالضرورة، بل دورة متكررة يعود رائد الأعمال في أثنائها إلى المراحل السابقة كلما ظهرت معلومات جديدة أو كشفت التجربة عن حاجة إلى تعديل الحل.

أولًا: التحديد – فهم المشكلة قبل بناء الحل

تبدأ الرحلة بتحديد المشكلة الحقيقية، وليس بافتراض حل جاهز لها. وتهدف هذه المرحلة إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية:

• من العميل أو المستفيد المستهدف؟

• ما الحاجة الضرورية، وربما الخفية، التي يعاني منها؟

• ما الحلول أو البدائل المتاحة حاليًا، ولماذا لا تزال المشكلة قائمة؟

يتطلب ذلك إجراء بحث ميداني وسلوكي واسع، يراقب حياة الفئة المستهدفة، وطريقة تعاملها مع المشكلة، والقيود التي تواجهها، والبدائل التي تستخدمها حاليًا. وكلما كان فهم المشكلة أكثر عمقًا، ازدادت احتمالية بناء حلّ يلامس الحاجة الفعلية بدلًا من تقديم منتج لا ينسجم مع الواقع.

ويمكن لرائد الأعمال الاستعانة بأدوات الذَّكاء الاصطناعي، مثل Perplexity AI، في جمع المعلومات الأولية، واستكشاف الدراسات والتقارير، ومقارنة الحلول العالمية، وتكوين صورة أولية عن السوق والسياق المحلي. ومع ذلك، تبقى هذه الأدوات مساندةً للبحث الميداني وليست بديلًا عن التواصل المباشر مع المستفيدين.

ثانيًا: التصميم – تحويل الحاجة إلى نموذج قابل للتنفيذ

تبدأ مرحلة تصميم الحلّ بعد فهم المشكلة؛ إذ تُترجم نتائج البحث إلى تصور واضح للمنتج أو الخدمة وآلية تقديمها. وتبدأ هذه المرحلة بمجموعة من الأسئلة التي يجب أن تجد إجاباتها في نتائج المرحلة السابقة.

ومن الأدوات المستخدمة في هذه المرحلة النموذج الأولي، وتحليل المنافسين، وتقسيم العملاء، ومصفوفة الرسائل التسويقية، والنموذج التشغيلي، الذي يوضح الموارد والعمليات والشركاء والقنوات اللازمة لتقديم الحل.

ويُعد النموذج المنطقي من الأدوات المهمة في تصميم المشاريع الاجتماعية؛ إذ يربط بين الموارد والمدخلات، والأنشطة، والمخرجات، والنتائج المتوقعة، وصولًا إلى الأثر الاجتماعي المستدام. ويساعد هذا النموذج على توضيح كيفية انتقال المشروع من استخدام الموارد إلى تنفيذ الأنشطة، ثم تحقيق نتائج قابلة للقياس، بما يضمن أن الأثر الاجتماعي ليس مجرد شعار، بل نتيجة مترابطة يمكن تتبعها وتقييمها.

ثالثًا: التجربة – اختبار الحل وقياس أثره

تمثِّل مرحلة التجربة الانتقال من التخطيط إلى الفعل الحقيقي؛ ففيها يُطوَّر نموذج أولي مبسط، ويُختبر مع عدد محدود من المستخدمين أو المستفيدين، بهدف التحقق من مدى ملاءمة الحل للمشكلة الفعلية.

ولا تقتصر هذه المرحلة على اختبار المنتج تقنيًا، بل تشمل اختبار النموذج المالي، وتحديد أصحاب المصلحة: المؤثرين والمتأثرين ورسم خريطة التأثير والعلاقات، واختيار القطاع أو البيئة الأنسب للتطبيق، ووضع مؤشرات لقياس الأثر الاجتماعي أيضًا. ومن الملحوظات والبيانات الناتجة عن التجربة، يستطيع رائد الأعمال تحديد ما نجح وما أخفق، وفهم أسباب ذلك، ثم تعديل المنتج أو نموذج العمل أو آلية التنفيذ وفقًا للأدلة الواقعية.

رابعاً: التوسع

3. التمويل المختلط – Blended Finance

يقوم التمويل المختلط على دمج رأس المال الاستثماري مع رأس المال الخيري المحفّز؛ لتقليل المخاطر وفتح المجال أمام استثمارات ذات أثر اجتماعي وبيئي.

فكيف يستطيع رائد الأعمال الاجتماعي بناء رأس مال مختلط؟ يبدأ ذلك من توظيف رأس المال الخيري بطريقة محفّزة، بما يسهم في تقليل مخاطر الاستثمار أو تقديم ضمانات للمستثمرين، بدلًا من أن يكون تمويلًا خيريًا منفصلًا عن الاستثمار.

ويمكن الاستفادة من خريطة استثمارية تضم مستثمرين من قطاعات عدة، بحيث يُوجَّه رأس المال إلى المشاريع التي تحتاج إليه، مع وجود آليات لضمان الخسارة أو ضمان شراء السوق ثلاث سنوات، بما يقلل المخاطر، ويشجّع المستثمر على الدخول في المشروع.

Investing Case

إذا كان لديّ مشروع اجتماعي أثبت نجاحه بالاعتماد على صندوق تمويل، ثم انتقلت إلى مستثمر بهدف التوسّع، فإن المشروع يكون قد تجاوز مرحلة التمويل الأولي وأصبح قادرًا على جذب الاستثمار وبناء نموذج مستدام.

وهنا لا تُقاس قيمة المشروع بالعائد المالي وحده، بل بثلاثة أبعاد مترابطة:

القيمة المالية + القيمة الاجتماعية + القيمة البيئية.

وهذا هو جوهر المشروع الاجتماعي المستدام: تحقيق أثر قابل للقياس، بالتوازي مع بناء قيمة اقتصادية قادرة على الاستمرار والنمو.

4. قياس الأثر للمشاريع الاجتماعية

لا يكفي للمشروع الاجتماعي أن يذكر عدد المستفيدين أو المدربين، بل يجب قياس النتائج الفعلية التي تحققت. فبدلًا من القول: «درّبنا 100 شاب»، ينبغي معرفة عدد الشباب الذين حصلوا على وظائف نتيجة التدريب، أو أسسوا مشاريعهم، أو تحسّن دخلهم.

أهم منهجيات قياس الأثر

  • العائد على الاستثمار الاجتماعي (Social Return on Investment – SROI): منهجية تحوّل الأثر الاجتماعي إلى قيمة قابلة للقياس، وتربط الموارد المستثمرة بالنتائج الاقتصادية والاجتماعية المتحققة وفق نموذج العمل.
  • نظام IRIS: مجموعة من المؤشرات والمعايير التي تساعد المؤسسات الاجتماعية على قياس الأثر عبر محاور عدة.
  • بطاقة الأداء المتوازن (Balanced Scorecard): أداة لقياس أداء المؤسسات الاجتماعية عبر مجموعة من الأبعاد المالية والتشغيلية والاجتماعية.
  • شهادة B Corp: إطار ومعيار لتقييم أداء الشركات في المجالات الاجتماعية والبيئية والحوكمة، والتحقق من التزامها بتحقيق أثر مستدام.

البيانات أساس القياس والذكاء الاصطناعي

لا يمكن الاستفادة الفعلية من تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون وجود بيانات منظّمة ومهيكلة؛ فالمؤسسة التي لا توثّق بياناتها بصورة منظمة لن تتمكن بسهولة من تحويلها إلى بيانات خام قابلة للتحليل، أو استخدامها لبناء نماذج ذكية تساعد في قياس الأثر، واتخاذ القرارات.

نصائح من الأستاذ توفيق النحلاوي:

  • يجب عدم تصميم المشروع بمعزل عن متطلبات الترخيص والشكل القانوني المناسب.
  • تختلف طبيعة التمويل بين المنظمات غير الربحية، التي تعتمد غالبًا على التبرعات والمنح، والشركات الربحية، التي تعتمد على الإيرادات والاستثمار.
  • قد يتضح من التجربة ودراسة مصادر التمويل ما إذا كان الأنسب تأسيس المشروع بصفته منظمة غير ربحية، أو شركة ربحية، أو نموذج اجتماعي هجين.
  • في حال كان التمويل المتاح من المانحين فقط، فقد يتجه المشروع نحو نموذج المنظمة الاجتماعية غير الربحية، في حين يتطلَّب التمويل الاستثماري نموذجًا ربحيًا أكثر ملاءمة.
  • تختلف نماذج العمل باختلاف طبيعة المشروع ومصادر تمويله.
  • إذا تضمن المشروع اختراعًا أو ابتكارًا قابلًا للحماية، فتنبغي دراسة إمكانية تسجيل براءة اختراع.
  • يُفضّل الاستعانة بمحامٍ؛ لمراجعة إجراءات الترخيص والالتزامات القانونية وتجنب المساءلة المحتملة.
  • يمكن لحاضنات الأعمال ومسرّعاتها توفير الإرشاد والغطاء القانوني والدعم في مراحل تأسيس المشروع وتطويره.
  • لا ينبغي أن يقتصر قياس الأثر والأداء والنتائج المتحققة على تطبيقات الذكاء الاصطناعي وحدها، بل يجب إشراك الخبراء وأصحاب الاختصاص ضمن حلقة التحقق والتقييم (Human-in-the-Loop)، لضمان دقة النتائج وموثوقيتها، وتفسير المؤشرات بصورة صحيحة، واتخاذ قرارات تستند إلى تحليل بشري وخبرة مهنية إلى جانب الأدوات الذّكية.

المزيد من الورشات 

يمكنك تصفح وقراءة جميع التدوينات في المدونة العلمية و الورشات الخاصة لدى SySSR.

Go to Top