From Idea to $650M Exit: Lessons in Building AI Startups – من الفكرة إلى استحواذ بقيمة 650 مليون دولار: دروس في بناء الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي
يشارك Jake Heller، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Casetext، في هذه المحاضرة التي ألقاها إطارًا عمليًا لاختيار أفكار شركات الذكاء الاصطناعي، وبناء منتجاتٍ موثوقة تتجاوز العروض التجريبية، وتسعيرها، وكسب ثقة العملاء، مع توضيح الأولويات التي ينبغي للمؤسسين التركيز عليها في كل مرحلةٍ من مراحل نمو الشركة.
أيُّ الأفكارِ أجدرُ بأن تبدأ بها؟
يؤكِّد جيك هيلر Jake Heller أنَّ أفضلَ أفكارِ الشركاتِ الناشئةِ في عصرِ الذكاءِ الاصطناعيِّ لا تنطلقُ من البحثِ عن أحدثِ النماذجِ اللغويَّةِ أو أكثرِها تطوُّرًا، بل من البحثِ عن الأعمالِ التي يدفعُ الناسُ والشركاتُ الأموالَ اليومَ للبشرِ من أجلِ إنجازها. فكلُّ مهمةٍ تُنجَزُ بواسطةِ موظَّفٍ أو خبيرٍ مقابلَ أجرٍ تمثِّلُ فرصةً حقيقيَّةً لإعادةِ تصميمها بالاعتمادِ على الذكاءِ الاصطناعيِّ.
لقد أصبحت النماذجُ اللغويَّةُ الكبيرة (LLMs) والروبوتاتُ الذكيَّةُ قادرةً على معالجةِ طيفٍ واسعٍ من المشكلات، سواءٌ في الأعمالِ المعرفيَّةِ أم في العالمِ الفيزيائيِّ، وهو ما يفتحُ البابَ أمامَ موجةٍ جديدةٍ من الشركاتِ التي لا تبيعُ البرمجيَّاتِ فحسب، بل تُنجزُ الأعمالَ نفسها.
كيف تستفيدُ الشركةُ الناشئةُ من الذكاءِ الاصطناعيِّ؟
يشيرُ هيلر Heller إلى أنَّ تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ يمكنُ تصنيفُها إلى ثلاثِ فئاتٍ رئيسةٍ، تختلفُ في مستوى القيمةِ التي تُقدِّمها وتأثيرِها في السوق.
أوَّلًا: المساعد Assistant
وفي هذا النموذجِ يعملُ الذكاءُ الاصطناعيُّ إلى جانبِ الإنسان، فيساعدُه على إنجازِ أعمالِه بسرعةٍ أكبر، ويزيدُ إنتاجيَّتَه، دونَ أن يحلَّ محلَّه.
ثانيًا: الاستبدال Replacement
وهنا لا يقتصرُ دورُ الذكاءِ الاصطناعيِّ على المساعدة، بل يتولَّى تنفيذَ المهمةِ كاملةً بدلًا من الإنسان. فإذا كانت الشركاتُ توظِّفُ اليومَ المحامين لمراجعةِ العقود، فلماذا لا تُنشأُ شركةٌ قانونيَّةٌ تعتمدُ على الذكاءِ الاصطناعيِّ لإنجازِ هذه المهمَّةِ بكفاءةٍ أعلى وتكلفةٍ أقلَّ؟
ثالثًا: إنجازُ ما كان مستحيلًا سابقًا Do the Unthinkable
وهي الفئةُ الأكثرُ طموحًا، إذ لا يقتصرُ الذكاءُ الاصطناعيُّ فيها على تحسينِ العملِ أو استبدالِ العاملِ البشريِّ، بل يُنجزُ مهامًّا لم يكن بالإمكانِ تنفيذُها أصلًا بالوسائلِ التقليديَّة، كتحليلِ ملايينِ الوثائقِ، أو استكشافِ أنماطٍ وعلاقاتٍ يستحيلُ على الإنسانِ اكتشافُها خلالَ وقتٍ معقولٍ.
لا تُقِسْ سوقَ الذكاءِ الاصطناعيِّ بوصفها سوق برمجيَّاتٍ
من أكثرِ الأفكارِ عمقًا في المحاضرةِ دعوةُ هيلر Heller إلى تغييرِ الطريقةِ التي نقيسُ بها حجمَ السوق. فبدلًا من النظرِ إلى الذكاءِ الاصطناعيِّ بوصفِه سوقًا للبرمجيَّات، ينبغي النظرُ إليه بوصفِه سوقَ العملِ البشريِّ.
فشركةُ برمجيَّاتٍ تقليديَّةٍ (SaaS) قد تبيعُ اشتراكًا بقيمةِ خمسينَ دولارًا شهريًّا لكلِّ مستخدمٍ، أمَّا إذا كان نظامُ الذكاءِ الاصطناعيِّ يؤدِّي عملَ موظَّفٍ يتقاضى ثمانينَ ألفَ دولارٍ سنويًّا، فإنَّ القيمةَ الاقتصاديَّةَ التي يخلقُها تصبحُ أكبرَ بعشراتِ المرَّات. ومن هنا فإنَّ سوقَ تطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ قد يفوقُ سوقَ البرمجيَّاتِ التقليديَّةِ بعشراتٍ، وربَّما مئاتِ المرَّات؛ لأنَّ الإنفاقَ ينتقلُ من شراءِ البرامجِ إلى شراءِ العملِ المُنجَز.
ويُعبِّرُ المستثمرونَ عن هذه الفكرةِ بمفهومِ السوقِ الكلِّيِّ القابلِ للاستهداف (Total Addressable Market)، أي إجماليِّ الأموالِ التي تُنفقُها الشركاتُ والأفرادُ لإنجازِ عملٍ معيَّن. فكلُّ دولارٍ يُدفَعُ اليومَ إلى محامٍ، أو محاسبٍ، أو مستشارٍ، أو محلِّلِ بياناتٍ، يمكنُ أن يتحوَّلَ مستقبلًا إلى فرصةٍ لشركةِ ذكاءٍ اصطناعيٍّ إذا استطاعت إنجازَ العملِ ذاته بسرعةٍ أكبر، وجودةٍ أعلى، وتكلفةٍ أقلَّ.
ولهذا يرى هيلر Heller أنَّ العائدَ الاقتصاديَّ لتطبيقاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ قد يكونُ أكبرَ بعشرِ مرَّاتٍ أو مئةِ مرَّةٍ من عائدِ شركاتِ البرمجيَّاتِ التقليديَّة، لأنَّها لا تنافسُ على ميزانيَّاتِ شراءِ البرامج، بل على ميزانيَّاتِ العملِ والخدماتِ المهنيَّة.
ويضربُ مثالًا بالمجالِ القانونيِّ، حيثُ لا يستطيعُ عددٌ هائلٌ من الناس، ولا سيَّما ذوي الدخلِ المحدودِ، تحمُّلَ تكاليفِ الخدماتِ القانونيَّةِ التقليديَّة. فإذا أمكنَ توفيرُ محامٍ يعتمدُ على الذكاءِ الاصطناعيِّ يكونُ أسرعَ بعشرِ مرَّاتٍ وأقلَّ تكلفةً بعشراتِ المرَّات، فإنَّ ملايينَ الأشخاصِ الذين كانوا خارجَ السوقِ أصلًا سيصبحون قادرين على الاستفادةِ من هذه الخدمات. وهنا لا يقتصرُ الابتكارُ على الاستحواذِ على عملاءِ المنافسين، بل يتمثَّلُ في توسيعِ السوقِ وخلقِ طلبٍ جديدٍ لم يكن موجودًا من قبل.
كيف تتحوَّل من فكرة مساعدٍ ذكيٍّ إلى منتجٍ يمكن الاعتمادُ عليه؟
يعتقد كثيرٌ من روَّاد الأعمال أنَّ بإمكانهم فهم طبيعة عمل قطاعٍ معيَّنٍ بفعل الافتراضات أو الانطباعات العامَّة، ثم الشروع مباشرةً في بناء منتجٍ يعتمد على الذكاء الاصطناعي. غير أنَّ جيك هيلر Jake Heller يرى أنَّ هذا أحد أكثر الأخطاء شيوعًا، لأنَّ بناء منتجٍ ناجحٍ يبدأ بفهم الواقع، لا بالاعتماد على التخمين.
ولهذا ينصح المؤسِّسين بأن يتصرَّفوا كما لو كانوا عملاء سرِّيِّين؛ فيزوروا الشركات، ويراقبوا الموظفين في أثناء أداء أعمالهم، ويسألوهم عن كلِّ خطوةٍ ينفِّذونها، أو يبحثوا عن شريكٍ مؤسِّسٍ يمتلك خبرةً عميقةً في المجال المستهدف. فالهدف ليس فهم المشكلة فحسب، بل فهم الطريقة الحقيقيَّة التي ينجز بها الخبراء أعمالهم.
وبعد دراسة سير العمل، يقترح هيلر Heller طرح سؤالٍ محوريٍّ:
كيف سينجز أفضل شخصٍ في هذا المجال هذه المهمة لو امتلك وقتًا غير محدودٍ، وألفَ مساعدٍ يعملون معه؟
إنَّ الإجابة عن هذا السؤال تكشف جميع الخطوات التي يمرُّ بها الخبير للوصول إلى أفضل نتيجة؛ لذلك ينبغي تدوين كلِّ مرحلةٍ، وجمع الملاحظات من مصادر متعدِّدة، وتحليلها كما لو كنت تُعدُّ دراسةً بحثيَّةً متكاملةً، لأنَّ هذه الخطوات ستشكِّل لاحقًا الأساس الذي سيُبنى عليه النظام.
لا تطلب من النموذج الإجابة… بل علِّمه كيف يعمل الخبير
يضرب هيلر Heller مثالًا بشركة Casetext، التي لم تعتمد في بناء مساعدها القانوني على مطالبةٍ بسيطةٍ من النموذج اللغوي، مثل: ابحث عن هذا الموضوع، بل بدأت بدراسة الطريقة التي يعمل بها أفضل المحامين، ثم حوَّلت هذا الأسلوب إلى سلسلةٍ دقيقةٍ من المهام.
فقد قُسِّمت عمليَّة البحث القانوني إلى مراحل متتابعة تبدأ بفهم المشكلة، وطرح الأسئلة التوضيحيَّة، ثم إعداد خطَّة بحثٍ مناسبة، وإجراء عشرات عمليَّات البحث في القوانين والسوابق القضائيَّة، وفرز النتائج واستبعاد غير المرتبط منها، وتدوين الملاحظات وربط الأدلَّة، ثم صياغة التقرير النهائي، وأخيرًا مراجعته للتحقُّق من دقَّة المعلومات وصحَّة الاستشهادات القانونيَّة.
ويؤكِّد هذا النهج أنَّ الأنظمة الموثوقة لا تُبنى بمطالبةٍ واحدةٍ موجَّهةٍ إلى النموذج اللغوي، بل عبر محاكاة سير العمل الحقيقيِّ الذي يتَّبعه الخبراء في الواقع.
من تحليل سير العمل (workflow) إلى كتابة الأوامر (Prompts)
بعد الانتهاء من تحليل خطوات الخبير، تبدأ مرحلة تحويلها إلى نظامٍ قابلٍ للتنفيذ. وهنا تصبح كلُّ مرحلةٍ من مراحل العمل (Prompt) مستقلًّا يؤدِّي وظيفةً محدَّدةً داخل النظام.
فقد يُخصَّص أحد الأوامر لتقييم مدى ارتباط قضيَّةٍ قانونيَّةٍ بالسؤال المطروح، ويُخصَّص آخر لكتابة التقرير اعتمادًا على الملاحظات، بينما يتولَّى أمرٌ ثالث التحقُّق من صحَّة الاستشهادات القانونيَّة، ويعمل أمرٌ رابع على مراجعة التقرير واكتشاف أيِّ معلوماتٍ غير مدعومةٍ بالمراجع.
ويمتاز هذا الأسلوب بأنَّه يستبدل المطالبة الطويلة الواحدة بسلسلةٍ من المهام الصغيرة والمتخصِّصة، الأمر الذي يجعل النظام أكثر دقَّةً، وأسهل في الاختبار، وأيسر في التطوير والتحسين.
متى لا تحتاج إلى نموذجٍ لغوي؟
يشير هيلر Heller إلى أنَّ كثيرًا من المطوِّرين يستخدمون النماذج اللغويَّة في جميع المراحل، مع أنَّ ذلك ليس الخيار الأمثل دائمًا.
فإذا كانت المهمَّة حتميَّةً (Deterministic)، أي إنَّ خطواتها معروفةٌ وثابتةٌ ولا تتطلَّب استدلالًا أو اتِّخاذ قراراتٍ، فلا حاجة إلى استخدام نموذجٍ لغوي؛ لأنَّ ذلك يزيد التكلفة، ويستهلك عددًا أكبر من الوحدات اللفظيَّة (Tokens)، كما قد يكون أبطأ من الحلول البرمجيَّة التقليديَّة.
في مثل هذه الحالات، يُفضَّل بناء سير عملٍ (Workflow) واضحٍ يُنفَّذ مباشرةً باستخدام الشيفرة البرمجيَّة، مثل لغة Python، ليكون التنفيذ أسرع وأكثر استقرارًا وأقلَّ تكلفةً.
ومتى نلجأ إلى الذكاء الوكيلي Agentic AI؟
يصبح الذكاء الوكيلي ضروريًّا عندما لا تكون خطوات التنفيذ ثابتةً، بل تعتمد على طبيعة المشكلة وسياقها.
فعلى سبيل المثال، إذا كان السؤال يتعلَّق بقضايا الضرائب، فقد يقرِّر الوكيل الذكي البحث في التشريعات الضريبيَّة، أمَّا إذا كان السؤال مرتبطًا بالملكيَّة الفكريَّة، فإنَّه ينتقل تلقائيًّا إلى مصادر قانونيَّةٍ مختلفة، ويضع خطَّة بحثٍ جديدة، ويحلِّل نوعًا آخر من الوثائق.
وهنا لا يلتزم النظام بتسلسلٍ واحدٍ من الخطوات، بل يختار بنفسه أفضل مسارٍ لإنجاز المهمة وفقًا لمتطلَّبات كلِّ حالة، وهو ما يميِّز الوكلاء الأذكياء عن سير العمل التقليدي.
بناء المنتج ليس الجزء الأصعب، بل ضمان موثوقيَّته
يؤكِّد هيلر Heller أنَّ بناء النظام في حدِّ ذاته ليس التحدِّي الحقيقي، بل إنَّ الصعوبة تكمن في التأكُّد من أنَّ كلَّ خطوةٍ تؤدِّي وظيفتها كما ينبغي، وأنَّ المعلومات المستخرجة صحيحةٌ، والاستنتاجات دقيقةٌ، والمخرجات قابلةٌ للاعتماد عليها.
وهنا يبرز الدور المحوريُّ لما يُعرف بـ التقييمات (Evaluations أو Evals)، وهي المرحلة التي يتجاهلها كثيرٌ من روَّاد الأعمال.
فقد ينجح المؤسِّس في بناء نموذجٍ يحقِّق دقَّةً تتراوح بين 60% و70% في أثناء العرض التجريبي، فيُعجب المستثمرون بالفكرة، ويحصل على التمويل، وربَّما يوقِّع أول عقدٍ تجريبيٍّ مع أحد العملاء. لكن عند الاستخدام اليوميِّ، تبدأ المشكلات بالظهور؛ لأنَّ النموذج قد يقدِّم إجابةً صحيحةً في موقفٍ، ثم يخطئ في موقفٍ مشابه، أو يختلق معلوماتٍ غير موجودة فيما يُعرف بالهلوسة (Hallucination).
ولهذا يؤكِّد هيلر Heller أنَّ جودة المنتج لا تُقاس بمدى إبهار العرض التجريبي، بل بمدى ثبات أدائه في الاستخدام الحقيقي.
سبعة مبادئ لبناء نظام تقييمٍ فعَّال
أولًا: حدِّد بدقَّةٍ ما الذي يعنيه الإخراج الجيِّد
قبل تحسين أيِّ أمر (Prompt)، ينبغي تحديد النتيجة الصحيحة بدقَّة. فإذا كانت المهمة تحليل مستندٍ، فيجب معرفة المعلومات المطلوب استخراجها، والمواضع التي يجب العثور عليها فيها، والمعايير التي تجعل الإجابة صحيحةً أو خاطئةً. وينطبق ذلك على المهمة الرئيسة، وكذلك على جميع المهام الفرعيَّة.
ثانيًا: اجعل التقييم موضوعيًّا وقابلًا للقياس
كلَّما أمكن تحويل المخرجات إلى نتائج قابلةٍ للقياس، مثل صح أو خطأ (True/False) أو درجةٍ رقميَّة، أصبح تقييم أداء النموذج أكثر دقَّةً وأسهل مقارنةً بالاعتماد على الأحكام الانطباعيَّة.
ثالثًا: ابنِ مجموعة اختباراتٍ تدريجيَّة
ابدأ بعددٍ محدودٍ من الحالات، ثم وسِّعها تدريجيًّا حتى تصبح عشراتٍ أو مئاتٍ من السيناريوهات الواقعيَّة، مع الاحتفاظ بمجموعة اختباراتٍ مستقلَّة (Holdout Set) لا تُستخدم في أثناء التطوير، لضمان أنَّ النموذج تعلَّم التعميم، لا حفظ الأمثلة.
رابعًا: اعتبر تحسين الـ Prompts عمليَّةً مستمرَّة
فأخطاء النماذج غالبًا ليست عشوائيَّة، بل تتكرَّر وفق أنماطٍ محدَّدة، ويمكن معالجتها بإعادة صياغة التعليمات، أو إضافة أمثلةٍ توضيحيَّة، أو تحسين توجيهات النموذج، من دون الحاجة دائمًا إلى إعادة تدريب النموذج (Fine-Tuning).
خامسًا: لا تتوقَّف عند أول نتيجةٍ مقبولة.
يستسلم كثيرٌ من المطوِّرين عندما يصل الأداء إلى نحو 60%، بينما يرى هيلر Heller أنَّ التحسين المستمرَّ قد يرفع الدقَّة إلى 97% أو أكثر، لتصبح الأخطاء نادرةً، بل مماثلةً للأخطاء التي قد يرتكبها الخبراء البشر.
سادسًا: لا تطلق المنتج قبل أن يثبت موثوقيَّته.
يوصي هيلر Heller بأن يخضع كلُّ أمر (Prompt) لما لا يقلُّ عن مئة حالة اختبارٍ قبل إطلاق النسخة التجريبيَّة (Beta)، وأن ينجح في معظمها بنسبةٍ تقارب 99%. وبعد الإطلاق، يجب أن تستمرَّ عمليَّة التقييم بصورةٍ دائمة.
سابعًا: اجعل العملاء جزءًا من نظام التقييم.
فالمستخدمون الحقيقيُّون سيكتشفون سيناريوهاتٍ لم يتوقَّعها فريق التطوير. ولهذا ينبغي تحويل كلِّ خطأٍ أو شكوى يبلِّغ عنها العملاء إلى حالة اختبارٍ جديدةٍ تُضاف إلى مجموعة التقييمات، وبذلك يصبح المنتج أكثر موثوقيَّةً مع مرور الوقت.
ويختتم هيلر Heller هذه الفكرة بنصيحةٍ بسيطةٍ، لكنَّها شديدة الأهميَّة: لا تتوقَّف عن صقل الـ Prompts وتحسينها، بل اجعل نتائج التقييمات هي البوصلة التي تقود عمليَّة التطوير باستمرار.
هل يُعدُّ التسويقُ والبيعُ أهمَّ مرحلةٍ في بناء شركةِ ذكاءٍ اصطناعيٍّ؟
قد يظنُّ كثيرٌ من المؤسِّسين أنَّ نجاحَ الشركةِ يعتمدُ في المقامِ الأوَّلِ على التسويقِ والبيع، لكنَّ جيك هيلر Jake Heller يقدِّم رؤيةً مختلفةً. فهو يرى أنَّ نقطةَ البداية ليست بناءَ فريقِ مبيعاتٍ ضخمٍ أو إطلاقَ حملاتٍ تسويقيَّةٍ مكثَّفة، بل بناءُ منتجٍ يحلُّ مشكلةً حقيقيَّةً بكفاءةٍ استثنائيَّة. فإذا استطعت تقديمَ منتجٍ يخلقُ قيمةً واضحةً للعملاء، فإنَّ التسويقَ والبيعَ سيصبحان أكثرَ سهولةً، لأنَّ المنتجَ الجيِّدَ هو أفضلُ أداةٍ للتسويق.
ومع ذلك، يؤكِّد هيلر Heller أنَّ نجاحَ المنتجِ وحده لا يكفي، بل ينبغي إعادةُ التفكيرِ في طريقةِ بيعه وتسعيره وبناءِ الثقةِ به. ولهذا يقدِّم ثلات نصائحَ أساسيَّةً لكلِّ شركةِ ذكاءٍ اصطناعيٍّ ناشئة.
1. لا تَبِعِ البرمجيَّات، بل بِعِ القيمة
يرى هيلر Heller أنَّ شركاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ لم تعد تبيعُ برمجيَّاتٍ بالمعنى التقليديِّ الذي اشتهرت به شركاتُ SaaS، بل أصبحت تبيعُ نتائجَ وأعمالًا مكتملةً. فالعميلُ لا يهتمُّ بالنموذجِ اللغويِّ المستخدم، ولا بعددِ الأسطرِ البرمجيَّة، وإنَّما يهتمُّ بالمشكلةِ التي ستحلُّها له، وبالوقتِ والمالِ اللذين سيوفِّرهما.
ويضرب مثالًا بشركاتٍ تستخدمُ الذكاءَ الاصطناعيَّ لمراجعةِ العقود. ففي النموذجِ التقليديِّ قد تدفعُ الشركةُ نحو ألفِ دولارٍ لمكتبِ محاماةٍ مقابل مراجعةِ عقدٍ واحدٍ، بينما تستطيعُ شركةُ ذكاءٍ اصطناعيٍّ تقديمَ الخدمةِ نفسها مقابل خمسمئةِ دولارٍ فقط، وربَّما مع وجودِ محامٍ يراجعُ النتائجَ في الحالاتِ الحسَّاسة. وهنا لا يشتري العميلُ برنامجًا، بل يشتري خدمةً مكتملةً ونتيجةً قابلةً للاستخدام.
ومن هنا يؤكِّد Heller أنَّ تسعيرَ المنتجِ ينبغي أن يعتمدَ على القيمةِ التي يقدِّمها، لا على تكلفةِ تشغيلِ النموذجِ أو عددِ الوحداتِ اللفظيَّة التي يستهلكها. فإذا كان النظامُ يوفِّر على العميلِ آلافَ الدولارات، أو يختصرُ مئاتِ ساعاتِ العمل، فمن الطبيعيِّ أن يعكسَ السعرُ هذه القيمةَ الاقتصاديَّة.
2. استمع إلى عملائك قبل أن تحدِّد نموذجَ التسعير
على الرغمِ من أهميَّةِ التسعيرِ المبنيِّ على القيمة، فإنَّ Heller يشدِّد على أنَّ أفضلَ نموذجِ تسعيرٍ هو الذي يفضِّله العملاء، لا الذي يراه المؤسِّسُ أكثرَ منطقيَّة.
ويستشهدُ بتجربةِ شركته، حيث فكَّر الفريقُ في البدايةِ في اعتمادِ نموذجِ الدفعِ حسب الاستخدام (Usage-Based Pricing)، بحيث يدفعُ العميلُ مقابلَ كلِّ عمليَّةٍ ينفِّذها النظام. لكنَّهم عندما سألوا العملاء عن النموذجِ الذي يناسبهم، كانت الإجابةُ مختلفةً؛ إذ فضَّل معظمُهم دفعَ مبلغٍ ثابتٍ يمكن التنبُّؤُ به على مدارِ العام، حتى وإن كان أعلى من تكلفةِ الدفعِ حسب الاستخدام.
ولهذا اعتمدت الشركةُ نموذجَ الدفعِ لكلِّ مستخدم (Per Seat)، حيث يدفعُ العميلُ نحو ستَّةِ آلافِ دولارٍ سنويًّا لكلِّ مستخدمٍ، أي ما يقاربُ خمسمئةِ دولارٍ شهريًّا.
ويكشفُ هذا المثالُ عن درسٍ مهمٍّ؛ فنجاحُ التسعيرِ لا يعتمدُ على المعادلاتِ النظريَّة، بل على فهمِ الطريقةِ التي يرغبُ العميلُ في الشراءِ والدفعِ عبرها.
3. بناءُ الثقة… أكبرُ تحدٍّ أمامَ شركاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ
يرى Heller أنَّ أكبرَ عقبةٍ تواجهُ شركاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ ليست التقنيةَ، وإنَّما الثقة. فالمؤسَّساتُ الكبرى تُدرك أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ سيغيِّر طريقةَ العمل، كما أنَّ مجالسَ إداراتها تضغطُ باستمرارٍ لمعرفةِ استراتيجيَّتها في هذا المجال، لكنَّها في الوقتِ نفسه لا تزالُ متردِّدةً في الاعتمادِ على أنظمةٍ لا تعرفُ حدودَها أو مدى موثوقيَّتها.
فالمديرون اعتادوا العملَ مع البشر؛ إذ يمكنُ تدريبُ الموظفين، ومتابعتُهم، وتوجيهُهم، بل استبدالُهم عند الحاجة. أمَّا مع أنظمةِ الذكاءِ الاصطناعيِّ، فما يزالُ كثيرٌ منهم يجهلُ ما يمكنُ توقُّعه منها، وهو ما يخلقُ فجوةً في الثقةِ ينبغي على الشركاتِ الناشئةِ معالجتُها.
كيف تبني ثقةَ العميل؟
لا تُبنى الثقةُ بالشعاراتِ التسويقيَّة أو الوعودِ الكبيرة، بل تُكتسبُ بالأدلَّةِ العمليَّة. ولهذا ينصحُ هيلر Heller بالسماحِ للعميلِ بمقارنةِ أداءِ النظامِ مباشرةً مع أداءِ البشر.
فعلى سبيل المثال، يمكنُ للشركةِ أن تطلبَ من العميلِ الاحتفاظِ بمحاسبه الحاليِّ، وفي الوقتِ نفسه استخدامِ نظامِ محاسبةٍ يعتمدُ على الذكاءِ الاصطناعيِّ، ثم مقارنةِ النتائجِ من حيث السرعةِ، والدقَّةِ، والتكلفة. وعندما يرى العميلُ الفارقَ بنفسه، تصبحُ الثقةُ مبنيَّةً على تجربةٍ واقعيَّة، لا على ادِّعاءاتٍ تسويقيَّة.
كما يمكنُ تعزيزُ هذه الثقةِ عبر الدراساتِ التطبيقيَّة، والمشروعاتِ التجريبيَّة (Pilots)، والاختباراتِ الواقعيَّة التي تُظهر أداءَ المنتجِ في بيئةِ العملِ الحقيقيَّة.
نجاحُ المنتج لا ينتهي عند البيع
يؤكِّد هيلر Heller أنَّ كثيرًا من المؤسِّسين يعتقدون أنَّ رحلةَ المنتجِ تنتهي بمجرد توقيعِ العقد أو حصولِ العميلِ على النسخةِ الأولى، بينما تبدأ المرحلةُ الأكثرُ أهميَّةً بعد ذلك، وهي تبنِّي المنتج (Adoption) وضمانُ نجاحِ العميلِ في استخدامه (Customer Success).
فالمنتجُ الحقيقيُّ لا يقتصرُ على الواجهةِ، أو التصميمِ، أو الأزرارِ التي تظهرُ على الشاشة، بل يشملُ التجربةَ الكاملةَ التي يعيشُها العميلُ منذ اللحظةِ الأولى لاستخدامه.
وتتضمَّن هذه التجربةُ جودةَ التفاعلِ مع فريقِ الدعمِ الفنِّي، وسرعةَ معالجةِ المشكلات، وكفاءةَ فريقِ نجاحِ العملاء، وبرامجَ التدريبِ والإعداد، وحتى علاقةَ المؤسِّسِ بعملائه واستعدادَه للاستماعِ إلى ملاحظاتهم.
ولهذا قد تمتلكُ شركةٌ ما منتجًا متفوِّقًا من الناحيةِ التقنيَّة، لكنَّها تخسرُ المنافسةَ أمامَ شركةٍ أخرى توفِّر تجربةَ استخدامٍ أفضل، ودعمًا أكثرَ احترافيَّة، واهتمامًا أكبرَ بنجاحِ عملائها. فالقيمةُ الحقيقيَّةُ للمنتجِ لا تتحقَّق عند بيعه، بل عندما يصبحُ جزءًا أساسيًّا من عملِ العميلِ ويعتمدُ عليه يوميًّا.
نصائح لبناء شركات الذكاء الاصطناعي: من الفكرة إلى الميزة التنافسية
أولًا: لا تخف من المنافسين، ركّز على بناء قيمة حقيقية
يشير Jake Heller إلى أنّ الخوف من المنافسين يُعدّ من أكثر المخاوف التي تُواجه المؤسّسين في المراحل الأولى. فكثيرٌ منهم يتردّدون في دخول السوق بسبب وجود شركاتٍ قائمة، ثم يكتشفون بعد الانطلاق أنّ المنافسين لم يكونوا بالقوة التي تخيّلوها.
فالسوق لا يخلو من المنافسة، ولا توجد شركةٌ واحدةٌ تسيطر على مجالٍ كاملٍ إلى الأبد. لذلك، فإنّ السؤال الأهم ليس: “كيف أتجنّب المنافسة؟” بل: “كيف أبني منتجًا أفضل؟ وكيف أفهم المشكلة بعمقٍ أكبر من الآخرين؟”
ويقترح Jake البحث عن المجالات التي تعتمد فيها الشركات أصلًا على الاستعانة بمصادر خارجية (Outsourcing) لإنجاز مهامٍ معيّنة. فإذا كانت الشركة مستعدّةً لدفع المال لجهةٍ خارجية لتنفيذ عملٍ ما، فهذه إشارةٌ قويّةٌ إلى أنّ الذكاء الاصطناعي قد يكون قادرًا على تحسين هذه العملية أو أتمتتها بالكامل.
لكن في المقابل، هناك أعمالٌ ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهويّة الشركة وإبداعها الأساسي، وقد تكون أقلّ استعدادًا للاستبدال. فعلى سبيل المثال، قد لا ترغب شركةٌ مثل Pixar في استبدال جوهر عملية صناعة القصص بالذكاء الاصطناعي، لأنّ الإبداع والسرد جزءٌ أساسيٌّ من هويّتها.
لذلك، يجب على المؤسّسين البحث عن المهام التي تعتبرها الشركات “ضروريةً لكنها ليست جزءًا من جوهر هويّتها”؛ وهي المجالات التي يكون فيها الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحقيق قيمةٍ كبيرةٍ.
ثانيًا: في المراحل الأولى من الشركة… ركّز على المنتج قبل كلّ شيء
يوضّح جيك Jake أنّ الأولوية القصوى للمؤسّس يجب أن تكون بناء منتجٍ يحبه العملاء، وليس الانشغال مبكرًا بالأمور الجانبية.
ففي مرحلة Seed، يجب أن يكون الهدف الأساسي هو بناء منتجٍ يحقّق ملاءمة المنتج مع السوق (Product-Market Fit)
ثمّ في مراحل Series A وSeries B وSeries C، يستمرّ التركيز على تحسين المنتج، وزيادة ملاءمته للسوق، وتعميق القيمة التي يقدّمها للعملاء.
ويعترف Jake بأنّه أخطأ عندما ركّز في بعض المراحل على أمورٍ لا ترتبط مباشرةً بهذه الأولوية الأساسية.
فالمهمّة الجوهرية للمؤسّس هي:
تزويد العميل بالمنتج الذي يحتاجه، والهوس بتحسين هذا المنتج باستمرار.
أما التوظيف، وبناء الثقافة المؤسسية، وجمع التمويل، وتطوير العمليات، فهي أمورٌ مهمّة، لكنها ليست الهدف النهائي؛ بل هي وسائل تساعد الشركة على تحقيق الهدف الأكبر: بناء منتجٍ استثنائيٍّ يحبه العملاء.
ثالثاً: كيف تُسعّر منتجات الذكاء الاصطناعي التي تستبدل عمل البشر؟
يُصبح التسعير أكثر تعقيدًا عندما يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ مهامٍ لم يكن البشر قادرين على إنجازها سابقًا.
ولهذا ينصح Jake بعدم بناء التسعير على تكلفة التنفيذ، بل على القيمة التي يخلقها المنتج.
فإذا كان نظام الذكاء الاصطناعي يوفّر على شركةٍ ما 100 مليون دولار، أو يحلّ مشكلةً كانت ستكلّفها 5 ملايين دولار، فمن المنطقي أن يرتبط السعر بجزءٍ من هذه القيمة التي يحققها المنتج.
ومن الأسئلة التي يمكن طرحها على العميل:
“كم ستكون مستعدًّا لدفعه لحلّ هذه المشكلة؟”
ثمّ يتم بناء نموذج التسعير انطلاقًا من قيمة الحلّ بالنسبة للعميل، وليس من عدد الساعات أو الموارد المستخدمة لتقديم الخدمة.
رابعًا: كيف تبني ميزةً تنافسيةً ولا تصبح مجرّد GPT Wrapper؟
مع انتشار النماذج الجاهزة مثل GPT، يبرز سؤالٌ مهمّ: كيف تستطيع شركة ذكاء اصطناعي بناء ميزةٍ تنافسيةٍ حقيقية، بدلًا من أن تكون مجرّد واجهةٍ تستخدم نموذجًا موجودًا؟
كانت إجابة Jake واضحة:
“ابدأ بالبناء.”
فالتميّز الحقيقي لا يظهر قبل دخول السوق، بل يتشكّل في أثناء بناء المنتج وفهم احتياجات المستخدمين.
فعندما تبدأ الشركة في تطوير المنتج، ستكتشف أنّ الحلّ الحقيقي يحتاج إلى:
- تكاملاتٍ عميقةٍ مع البيانات والأنظمة.
- اختباراتٍ مستمرّةٍ وتحسيناتٍ متكرّرة.
- اختيار النماذج المناسبة لكلّ حالة استخدام.
- ضبط التعليمات والـ Prompts.
- بناء أنظمة تحققٍ ومراجعةٍ لضمان الجودة.
- تطوير تدفقات عملٍ مخصّصةٍ تناسب احتياجات العملاء.
هذه التفاصيل الصغيرة المتراكمة هي التي تتحوّل مع الوقت إلى حصنٍ تنافسيٍّ (Competitive Moat) يصعب تقليده.
فالشركة التي أمضت عامين في بناء منتجٍ حقيقيٍّ، وفهمت بيانات عملائها، وطوّرت أنظمتها الداخلية، لن يستطيع منافسٌ جديدٌ تقليدها بسهولةٍ لمجرّد أنّه يستخدم النموذج اللغوي نفسه.
رابط المحاضرة تجدونه هنا
#syssr #research #entrepreneur #startup #researchproposal
#تابعونا #بالعلم_والعمل_نصنع_الأمل


