إعداد: huda midani
هل يمكن للشركات أن تمّول الأبحاث العلمية؟
أغسطس 11, 2021

هل يمكن للشركات أن تمّول الأبحاث العلمية؟

إطار جديد لفهم تمويل الأبحاث العلمية في الشركات الناشئة والكبيرة

بقلم: م. هدى ميداني، MBA، MA

مقدمة 

يتساءل العاملون في البحوث وطلاب الدراسات العليا عن إمكانية استثمار الشركات في الأبحاث العلمية، فعادة ما يكون تركيز هذه الشركات على تحقيق الأرباح الحالية، أي على تلبية توقعات الزبائن الحاليين والاستحواذ على زبائن جدد في الأسواق التي تعمل فيها، أي ببساطة العمليات الأساسية (البيع والانتاج) أو الداعمة (الإدارية)، فهل يمكن أن يكون لدى الشركات الربحية متسع من الأفق والموارد لتطوير البحوث العلمية، وتشغيل باحثين في أقسام الشركة؟ ما هو دور أقسام البحث والتطوير في الشركات؟ وهل يحقق البحث العلمي الربح للشركات؟

إن هذا المقال يقدم مقاربة لفهم تمويل البحث العلمي في الشركات خلال مراحل حياتها وضمن خطتها الاستراتيجية في المدى القريب والمتوسط والبعيد، إن كان لها خط أعمال واحد أو أكثر، اي منتج واحد أو علامة تجارية واحدة أو أكثر، وهو يقدم إطار تفكير للباحثين والطلاب لمعاينة نشاط الشركة واستثمارها في البحث العلمي وقد يمكنهم من اقتراح مشاريع تشكل مدخلاً للمناقشات والتعاون مع المدراء في هذه الشركات حتى ولو لم يطرحوا وظائف رسمية للباحثين، ويمّكن الرياديين من الباحثين أو طلاب المشاريع من بناء جسور التواصل مع الشركات وتطوير منتجاتهم وخدماتهم البحثية بحيث يمكن لهذه الشركات التعاون معهم أو تمويلهم أو شراؤها منهم، حتى ولو لم تقدم الشركة منح خاصة أو مسابقات أو منصات لدعم الرياديين التكنولوجيين. إن المقال يبين أن تمويل البحث العلمي في الشركات التجارية هو عادة بغرض الربح ولكن بحسب مرحلة حياة الشركة وأفق التخطيط الآني أو المستقبلي، وكذلك مرحلة نضج التكنولوجيا المستخدمة، يمكن للمرء أن يتنبأ بالأولوية التي تضعها الشركة على الاستثمار في تكنولوجيا معينة وإمكانية أن يكون له دور في هذا الاستثمار.

الفرق بين البحث العلمي والابتكار 

عند دراسة إمكانية تمويل الشركات التجارية لفعاليات البحث العلمي، لابد من التفريق بين البحث العلمي من حيث هو نشاط لصنع معرفة جديدة والابتكار الذي يهدف إلى الاستفادة بشكل مبتكر من المعارف الموجودة لصنع شيء جديد ذو قيمة مادية أو معنوية، تجارية أو اجتماعية. يهدف البحث العلمي التطبيقي إلى الاستفادة من المعارف في العلوم الأساسية لصنع تقنيات أو تكنولوجيا، حلول تخلق قيمة ملموسة، وتصبح الاستفادة من التقنيات في صنع الابتكارات أمراً أكثر سهولة. وعليه كلما كانت التقنيات معقدة فإن تطورها يحتاج إلى بحث علمي منهجي يستفيد من العلوم الأساسية والتطبيقية، أما الابتكار فهو إبداع شيئ ذو قيمة مما نعرف سواء كان من مكونات معرفية تركيبها معقد (تقنيات وتكنولوجيا مثل الإبصار الحاسوبي) أو معرفة تركيبتها أبسط (مثل قوانين التيار الكهربائي). 

يختص البحث العلمي في تقديم المعرفة التي تنشأ عنها الابتكارات (وقد تنشأ الابتكارات من خبرة أو حدس) وكذلك في تقييمها وخلق معرفة موثوقة جديدة بناء عليها، فيسير البحث العلمي كمنهجية للحصول على معرفة موثوقة جنباً إلى جنب مع الابتكار الذي هو صنع أشياء ذات قيمة من هذه المعرفة، وتختلف اختصاصات البحث العلمي عن الابتكار، ليركز البحث العلمي على مناطق معرفية أو تكنولوجيا، بينما يركز الابتكار على مشاكل وحلول، ويفرق الباحثون في علم الإدارة بين الابتكار التزايدي ıncremental وهو تحسينات على منتج أو حل تزيد من قيمته ولا تهدمه من الأساس (ابتكارات بخصوص خدمة الزبائن في الفنادق مثل الدفع والحجز الفوري أو جهاز تعديل الحرارة آليا حسب رغبة الشخص وحرارة الجو في الغرفة) أو الابتكار الهدام disruptive والذي يأتي بحلول أو منتجات تهدم النموذج السابق مثل (نموذج تأجير الغرف في المنازل اعتماداً على التوصيات، عن طريق موقع على الانترنت يشارك هذه التفاصيل)، فمن أجل صنع الابتكارات الجديدة لابد من معرفة جديدة موثوقة.

نموذج ماكينزي وفعاليات البحث العلمي 

يقدم منظور النمو ثلاثي الأفق الذي طوره مستشارون في التسعينات في شركة ماكينزي أداة استراتيجية لفهم دور مكون البحث العلمي في التخطيط الاستراتيجي، حيث يقسم تخطيط النمو في الشركات إلى ثلاثة آفاق زمنية. في هذه المقالة، نستفيد من منظور النمو ثلاثي الأفق لتقطيع وظيفية التخطيط الاستراتيجي لثلاثة أقسام وفقاً لثلاثة مراحل زمنية مع طبيعة المنتجات والأسواق التي يتم التركيز عليها في كل منها، لنتحدث عن وظيفية مكون البحث العلمي في كل فترة زمنية ومصادر تمويله بالنسبة للشركة ودوره في تطوير المنتجات والأسواق، وحيث أن الشركات يجب أن تهتم بالمنتجات والأسواق (أعمال الشركة) بطرق مختلفة بناء على مسيرة حياة هذه المنتجات في بدايتها، أثناء النمو، وأيضا عندما تصبح ناضجة، فيجب أن تهتم بالبحث العلمي من نواح أساسية وتطبيقية وتقييمية.

ولأن الاهتمام بالبحث العلمي يسير جنباً إلى جنب مع الابتكار خصوصاً عندما تحتاج الشركات إلى معرفة مركبة لانتاج الحلول أو تريد الاعتماد على منهجيات تخرج بمعرفة أكثر موثوقية وتستفيد من المعارف الموجودة، أمكن الاستفادة من منظور النمو ثلاثي الأفق الذي يهتم بالتركيز على التخطيط الاستراتيجي للابتكارات في منتجات وحلول الشركة في المستقبل القريب والمتوسط والبعيد ونوعية الابتكار الذي يجب الاهتمام به في كل مرحلة، فإن الإطار الذي أقدمه هنا يستفيد من نموذج ماكينزي للحصول على مؤشرات بخصوص البحث العلمي في الشركات.

وبينما كان اهتمام نموذج النمو ثلاثي الأفق الذي تم تطويره في ماكينزي منصباً على تحسين الإدارة في الشركات الكبيرة مثل جنرال إلكتريك وضمان استمراريتها في الأسواق من خلال تخطيط استراتيجي أكثر ذكاء، فإنه يصلح للشركات الناشئة أيضاً. فنموذج ماكينزي يدعو إلى الانتباه إلى الحركة الديناميكية بين ابتكارات الشركة وابتكارات المنافسين في الأسواق، فعندما تخطط الشركة لعدد من الابتكارات بخصوص الأعمال التي لديها على خط زمني قريب ومتوسط وبعيد، فإن تخطيطها يصبح أفضل وتكون فرصتها في الاستمرار أكبر، وكثيراً ما جاءت ابتكارات هدامة من شركات ناشئة بدأت صغيرة ونمت بسرعة، لتهدم النموذج الذي اعتمدت عليه الشركات الكبيرة لسنين، أو جاءت بتحسينات مبتكرة مكنتها من اختراق الأسواق وانتزاعها من الشركات الكبيرة.

ومع أن منظور النمو ثلاثي الأفق يفترض أن للشركة عدداً من المنتجات والأسواق أي الأعمال ولكل منها مسيرة حياة، بعضها مايزال فكرة أو في طور الإنشاء والاستثمار، وآخر في بدايات تحقيق الموائمة في السوق أو في طور النمو أي يكتسب حصة متزايدة في السوق، وأخرى في طور النضج قد حاز على فئة الزبائن الهدفة، فإن النموذج أيضاً يصلح للشركات الناشئة التي لا تملك إلا منتجات قليلة وهي في طور البدء، قبل أن تصبح نامية وأغلب منتجاتها تنمو في السوق، أو ناضجة، وهنا يقدم نموذج مكينزي لمدراء الأعمال إرشادات بخصوص التخطيط الاستراتيجي للشركة، وطالما أن للمنتجات دورة حياة، فعلى الشركات الكبيرة، أن تطور منتجات جديدة دائما لأن المنافسين يأتون بمنتجات جديدة دائماً، سواء الشركات الكبيرة الأخرى أو الشركات الجديدة.

يتلخص نموذج ماكينزي في الشكل أدناه، حيث يعبر المحور الأفقي عن الزمن، الأفق الأول أو القريب من 1 إلى 2 سنة الأفق الثاني أو البعيد من 3 إلى 5 سنوات، الأفق الثالث من 5 إلى 10 سنوات، تختلف المدة الزمنية وعدد السنوات في كل أفق حسب الصناعة ففي صناعة الموبايل تنضغط هذه المقاطع وفي صناعة الدوائيات يمكن أن تكون المدد الزمنية أطول. وبينما يعبر المحور الأفقي عن تقدم الزمن، يعبر المحور الشاقولي عن القيمة أو الربح المتوقع، وعليه يقدم نموذج ماكينزي طريقة لتقييم أعمال الشركة الحالية وتوقعات تطورها المستقبلي من أجل تحسينات على الأعمال أو إنشاء أعمال جديدة.

منظور النمو ثلاثي الافق من ماكينزي

#منظور_النمو_ثلاثي_الأفق #ماكينزي

  في الأفق الأول ترتب الأعمال الحالية (المنتجات والأسواق الموافقة) حسب الربحية، ويتم فيها المحافظة على الأسواق وتوزيعها وتحسين المنتجات بقدر تبقى فيه منافسة، تدعى أيضاً في أطر استراتيجية أخرى، بقرات النقد وهي الأعمال الناجحة للشركة في السوق. أما في الأفق الثاني فيتم تحديد المنتجات الناشئة في الأسواق ويتم الاستثمار فيها وتخطط الشركات أنه خلال 3 إلى 5 سنوات ستصبح أعمال ناجحة، أما الأفق الثالث فيتم فيه تحديد الأفكار والمنتجات التي ستكون واعدة خلال 5 إلى عشر سنوات ويتم الاستثمار فيها اليوم.

إطار جديد لفهم الاستثمار في البحث العلمي في الشركات 

إن هذا الإطار يأخذ من إطار ماكينزي المحور الأفقي وهو المحور الزمني ، ويقسمه مثله إلى ثلاثة مقاطع، قريبا ومتوسط وبعيد، ويرسم نموذجين واحد للشركات الكبيرة ويهتم بدورة حياة المنتجات كما في ماكينزي و الآخر للشركات الناشئة وفيه مقطعين زمنيين فقط، لأن المقطع الثالث بالنسبة للشركة الناشئة لا يهم فقد أصبحت شركة كبيرة إن نجحت. أما المحور الشاقولي فهو لحجم مكون البحث العلمي في صنع الابتكارات في الشركة، فبينما يكون مكون البحث العلمي في الشركات الكبيرة على المدى المنظور صغيراً نسبياً ويكون أكبر بالنسبة للمنتجات في الأفق الثاني ويكون أكبر ما يمكن في المنتجات في الأفق الثالث إذا كانت الشركة تريد السبق في تطوير المنتجات الجديدة بتكنولوجيا واعدة.

مخطط لفهم مكون البحث والابتكار في الشركات

#الابتكار #البحث_العلمي #الشركات_الناشئة #الشركات_الكبيرة

في التسعينات لم تكن مفاهيم الشركات الناشئة وأسواق تمويلها من الشركات الكبيرة والمستثمرين الملائكة قد لاقت الشيوع و حجم الأموال التي تضخ في هذه العمليات اليوم، ولكن بدأ مفهوم الاستثمار الكثيف في منتجات وحلول للمستقبل في الشركات الكبيرة التي كان لإدارتها ومالكيها القدرة المالية على الاستثمار في أعمال للمستقبل.

ومن أجل بيان أفضل لهذه الآفاق وحجم مكون البحث العلمي المرافق للابتكار التجاري في كل منها، سيتم التفصيل في كل أفق زمني على حدى وبيان ما يمكن أن تقوم به الشركات، وحيث أن هذا الإطار موجه للباحثين للتفكير بالتخطيط الاستراتيجي الذي تبدو أن الشركات اليوم تقوم به، فهو يمكن أن يكون أداة للمدراء لتحديد حجم المكون البحثي والابتكاري مثلما كان هدف إطار ماكينزي هو تحسين أداء المدراء في الشركات الكبيرة.

الأفق الأول القريب: البحث العلمي ذو اتجاه تطبيقي واستثماري

تهتم معظم الشركات الناشئة في بداية تأسيسها بنواتج البحث العلمي، ليس من أجل تطوير تكنولوجيا جديدة، ولكن في إطار استخدام التكنولوجيا التي تم تطويرها في تصميم قيم مضافة للزبائن، ومن ثم تركز على جوانب تطوير هذه المنتجات لتناسب الأسواق والأذواق. إن خططتها تركز على الافق الأول القريب، الآن و خلال سنتين، لنأخذ على سبيل المثال الشركات التي تستفيد من تكنولوجيا الكاميرات الرقمية ومن الإبصار الحاسوبي، في وقتنا هذا، في تطوير منتجات أمان متقدمة للاحتياجات المدنية أو العسكرية حسب اختصاصها، إنها تطور منتجاً باستخدام وتحسين تكنولوجيا في طور ناضج نسبياً، إن تفاصيل المنتجات ذات سمات ابتكارية ولكن قد تحتاج البحث العلمي لتحسين الأداء أو تقييمه. وتختلف الشركات في اتساع المكون البحثي في تطوير المنتجات لديها حسب نضوج التكنولوجيا التي توظفها، وكثير منها تستخدم منهجيات البحث العلمي لتطوير المنتج بما يلائم الزبائن وتستخدم أساليب انثروبولوجية مثل المقابلات المعمقة أو تجارب الاستخدام وحتى ملاحظة حياة المستخدمين أثناء استخدام المنتج لتطوير خصائص المنتج أو الخدمة وملائمتها للزبائن المستهدفين.

تحصل كثير من الشركات الناشئة على جل التمويل لديها من المستثمرين ومسرعات الأعمال أو من منح حكومية ومنظمات غير ربحية ومسابقات، أي من رأس المال الاستثماري لديها، حيث تكون في مرحلة النموذج الأولي أو لم تحقق الموائمة بين المنتج والسوق أي دون أن يكون لديها أداء باهر في الأسواق، أي دون أن تستطيع الإيرادات لتمويل فعاليات البحث، إنها تقدم وعدا بأنها تطور تكنولوجيا وموديل عمل سينمو سريعا ويستحوذ على الأسواق وسيكون خيارا مفضلا لكثير من الزبائن لحل مشكلة محددة يواجهونها اليوم أو غدا، فشركة أمازون في مجال تجارة التجزئة على الانترنت التي كانت شركة ناشئة لم تحقق أية أرباح خلال الخمس سنوات الأولى، أصبحت اليوم شركة كبيرة وتسيطر على الأسواق حول العالم وتحقق الكثير من الأرباح. كانت قد استثمرت أمازون في خوارزميات استخدام البيانات الكبيرة بيانات المستخدمين وبناء بروفايلات لهم وقامت بتعديلات على تجربة الشراء بحيث تحقق أفضل تجربة شراء وتزيد المبيعات، لم تكن هذه التقنيات ناضجة ومنتشرة كما هي اليوم.

إن الأفق الأول في الشركات الناشئة يشابه في كثافة الاستثمار في الابتكار والبحث العلمي، تلك المنتجات في الأفق الثالث في الشركات الكبيرة، تستثمر الشركات الناشئة بشكل مكثف في الابتكار الجديد الذي تتبناه ولا تتوقع تحقيق عائدات وسطياً خلال خمس سنوات الأولى وكذلك على الشركات الكبيرة أن تستثمر في عدد من منتجات المستقبل أو تستحوذ عليها أو تشتري براءات اختراع أو تتشارك مع الجامعات من أجل منافسة الشركات الناشئة عندما تطرح في الأسواق.

الأفق الثاني المتوسط: البحث العلمي تطبيقي تقييمي وتمويله يرتكز على أداء أولي في السوق 

إن الشركات الكبيرة التي تركز على النمو وتستمر في حلب بقرات النقد التي تؤمن السيولة النقدية، أي أعمال الشركات الناجحة في السوق، وتنسى التركيز على تطوير منتجات جديدة، أي بقرات نقدية للمستقبل، ستعاني في لحظة معينة من تقلص السوق بسبب منافسين يخرجون بابتكارات جديدة تغير ملامح السوق الذي تعرفه هذه الشركات. لابد للشركات التي تسعى لتبقى رائدة في أسواقها، أن تجدد نفسها وتركز على تمويل نشاطات بحثية في الأفق الثاني المتوسط، من 2 إلى 5 سنوات قادمة، فعليها أن تخصص من وارد أرباحها أو من رأس المال أو من حزم القروض لتمويل نشاطات ابتكارية وبحثية، إنها بحاجة إلى قيادات ريادية في صفوفها، لتستطيع الاستثمار في التكنولوجيا الواعدة وفي فهم تحركات الأسواق والزبائن الحاليين و المستقبليين.

وتوضيحاً لذلك، نذكر شركة كوداك التي شهدت عصر تطور الكاميرات الرقمية، خلال خمس وعشرين عاماً، لكن المدراء فيها لم يهتموا بهذه التكنولوجيا واستصغروا إمكانياتها المستقبلية من حيث استبدالها للكاميرات العادية، ومن حيث أنها لاتحتاج أفلام التحميض، وبقيت على ذلك حتى خسرت الشركة سوقها بالكامل ولم تعد قادرة على الإستمرار، وهي على عكس شركة سوني التي استمرت في ملاحقة الابتكارات الجديدة وظلت رائدة في مجالات تكنولوجيا المرئيات حتى اليوم. لقد طورت شركة غارتنر أداة سمتها دورة الدعاية والتوقعات لتكنولوجيا معينة ليتاح للشركات الاستثمار في التكنولوجيا الواعدة، لئلا يستثمروا في تكنولوجيا لأن هناك زخماًَ كبيراً وتوقعات عالية (قد يتبين أنها غير حقيقية عند نضج التكنولوجيا) ولئلا يغفلوا التكنولوجيا الواعدة فعلا لأنها إيما غير ناضجة أو لا تحصل على دعاية كافية، وثم يحسنوا وضعها في خطتهم في الأفق الاستراتيجي المناسب ويخصصوا الموارد اللازمة للاستثمار فيها.

ويتشابه وضع الشركات الكبيرة في الأفق الثاني أي التخطيط على مستوى 3 إلى 5 سنوات مع الشركات الناشئة، فكلاهما يقومان بتقييم الاستثمارات والعوائد في تجارب السوق لإطلاق مرحلة النمو التي تزداد فيها العائدات مقابل استقرار مزايا المنتجات والحلول في الأسواق المستهدفة.

الأفق الثالث البعيد: تمويل البحث العلمي استثماري وفي الشركات الكبيرة 

إن التركيز على المنتجات الحالية والأسواق الحالية يستحوذ جل اهتمام المدراء في الشركات العادية، بينما تعمل الشركات الرائدة على مراقبة الأسواق والمنافسين وتنفق الموارد في تمويل منتجات وحلول المستقبل التي لاتبدو مهيمنة اليوم، ولكنها قد تكون واعدة في السنين القادمة. قلة من الشركات تخطط وتمول نشاطات من أجل ما ستكون عليه في العشر سنوات القادمة. إنها تسأل أسئلة من قبيل ما هي التكنولوجيا التي ستعيد تشكيل الأسواق؟ وتستثمر فيها اليوم، بالبحث والتطوير أو الاستحواذ على براءات الاختراع، أو على الخبرات الموجودة في الشركات الناشئة التي ما يزال أثرها من ناحية إنتاج السيولة في الأسواق الحالية صغيراً، ولكنها من ناحية تطوير تكنولوجيا واعدة ستغير الأسواق. تشتري الشركات الكبرى الشركات الناشئة الواعدة للاستحواذ على التكنولوجيا لتحقيق السبق وفي بعض الأحيان للتخلص من منافسين ببساطة. تقوم الشركات الكبرى بشراء هذه التكنولوجيا وقد تشتري الزبائن وحصة الشركة الناشئة في السوق بدل أن تبدأ بالعمل من الصفر، ومن هنا يختلف مدى حجم المكون البحثي في الشركات الكبيرة، بين البدء مع أو دون دعم تكنولوجيا مستحوذ عليها. هناك أمثلة كثيرة في هذا الأفق في الشركات الكبيرة، حيث قامت جوجل بالاستحواذ على 200 شركة خلال العشرين سنة الأخيرة، منها FitBit التي استحوذت عليها مؤخراً من أجل تطوير تكنولوجيا الالكترونيات التي يمكن لبسها وأجهزة الصحة والرياضة من أجل منافسة الشركات في السوق مثل آبل، وعليه فستستثمر في التكنولوجيات المرافقة وتحقق سبق في هذا الميل المتنامي للأجهزة التي تجمع الالكترونيات والملبوسات والصحة وأسلوب الحياة، وتعد قوائم الشركات المستحوذ عليها من قبل الشركات الكبيرة مؤشر يدل على اتجاهات تطور التكنولوجيا الجديدة>

في المخطط أعلاه نجد أنه في حالة الشركات الناشئة فإن الاستثمار في المنتج أو الحل الأساسي الذي تبنته الشركة الناشئة يتضاءل فيما أن يحقق النمو ومن ثم يصبح مستقراً وناضجاً وتصبح الشركة الناشئة كبيرة، وعندها يجب أن يكون لها عدد من خطوط الأعمال تظهر بشكل منقط في المخطط أعلاه. فشركة جوجل التي أصبحت شركة كبيرة اليوم، بات لها عدد من الأعمال والمنتجات بعضها في طور تحقيق الأرباح في السوق وبعضها في طور الاستثمار وبعضها في طور الربح، كما أنها من الشركات التي تستثمر في البحث العلمي في الإدارة في أقسام إدارة الموظفين والأقسام الاستراتيجية.

خاتمة

وختاماً، فانطلاقا من منظور النمو ثلاثي الأفق كأداة للتخطيط الاستراتيجي، واعتبار أن البحث العلمي والابتكار يترافقان في الشركات الرائدة، فقد تم توضيح حجم مكون البحث العلمي في الشركات الناشئة والشركات الكبيرة في كل مرحلة من مراحل حياة الشركات، فعندما تكون في بدايتها (قد تكون الشركة ناشئة أو حديثة النشأة أو لم تصل بعد لمرحلة النمو) أو في مرحلة النمو (لديها حصة من السوق وتحقق الأرباح من بيع المنتجات والخدمات) أو في مرحلة النضج (رائدة في سوقها وقادرة على الاستمرار، تحقق أرباح من منتجات مستقرة)، يكون للاستثمار في البحث العلمي دور مختلف بين التركيز على المنتجات الحالية لإطلاق نموها أو على على المنتجات الواعدة لتطويرها أو على منتجات المستقبل لتحقيق السبق، وفي كل مرحلة تستثمر الشركات الناجحة في الابتكار والبحث العلمي.

في المرات القادمة عندما تفكر في الاستثمار في التكنولوجيا التي تعمل عليها كباحث ورائد عمل أو تقدم على وظيفة في شركة كمحترف، حاول أن تحدد الأفق الزمني الذي تعمل عليه الشركة والتكنولوجيا التي تريد استخدامها وطور نضجها والمنتجات الموافقة والمنافسة وماهي أهداف الشركات الحالية والمستقبلية من ذاك، ستكون لديك فرص أكبر في البحث عن فرص للتعاون والاستثمار والتوظيف.

شكر وتقدير 

لابد من تقديم الشكر لكل من م. الأمجد توفيق اصطيف و م. إياد الشامي لمراجعتهم لنسخ سابقة من هذه المقالة وملاحظاتهم القيمة التي ساهمت في تحسينها.

#الابتكار #البحث_العلمي #الشركات_الناشئة #الشركات_الكبيرة

شاركها !